صفقة عقارية هادئة تحولت إلى التزام ثقيل

في العام الماضي، أصدرت «مؤسسة تنمية الأمم المتحدة»، وهي جهة غامضة نسبياً أنشئت عام 1968 لاستئجار المساحات المكتبية للوكالات الدولية، سنداً بقيمة 365 مليون دولار لتمويل تجديد مبنيين مكتبيين بجوار مقر الأمم المتحدة. ولإغلاق الصفقة، وافقت إدارة آدامز على أن تتكفل بما يصل إلى 25 مليون دولار سنوياً عبر استئجار أي مساحات تُترك شاغرة ودفع تكلفتها.

بمعنى آخر، إذا لم تدفع الأمم المتحدة إيجارها، فقد تجد المدينة نفسها مطالبة بدفع ملايين الدولارات كل عام. وهذا ليس أفضل توقيت ممكن، لأن المدينة تواجه بالفعل فجوة في الميزانية تبلغ 5.4 مليار دولار، وهي فجوة لا تُعرف عادة بأنها صديقة للطموحات التقدمية الكبيرة.

طلب غير مضمون ومكاتب لا تنتظر أحداً

الرهان على المساحات المرتبطة بالأمم المتحدة لم يعد مضموناً كما كان. فالوكالات التابعة للمنظمة تواصل نقل الموظفين خارج الولايات المتحدة، وهو خيار مكلف، بينما تسعى دول أخرى إلى جذب العاملين الدوليين إليها. وأعلنت إحدى الجهات التابعة للأمم المتحدة مؤخراً أنها ستنقل 400 شخص من نيويورك إلى مدريد وبون في ألمانيا.

وقالت النائبة السابقة عن نيويورك كارولين مالوني، وهي عضوة في مجلس إدارة مؤسسة التنمية، إن نفاد أموال الأمم المتحدة سيكون «أزمة»، وإن على وفد الكونغرس أن يحاول إقناع الرئيس دونالد ترامب بالدفع.

وأضافت: «الأمر لا يتعلق بالأمم المتحدة فقط، بل باقتصاد مدينة نيويورك أيضاً».

المدينة تدخل على الخط

لإبقاء الوكالات التابعة للأمم المتحدة راضية، أصدرت المؤسسة السند الذي يمول تجديد مبنيي 1 و2 في ميدان الأمم المتحدة. كما حصلت تلك الوكالات على المساحات بسعر 51 دولاراً للمتر المربع، وهو أقل بكثير من أسعار السوق. لا شيء يخفف ضغوط العقارات مثل السعر المخفّض عندما يكون الزبون جهة دولية كبيرة، أو بالأحرى جهة تعرف كيف تؤجل الفواتير جيداً.

وقال روب كول، النائب التنفيذي للرئيس والمستشار العام للمؤسسة، إن المدينة وافقت على التدخل إذا تخلفت الأمم المتحدة عن السداد لأن المنظمة مهمة جداً لنيويورك.

وأوضح: «كنا في سوق عقارية صعبة جداً، ومع حالة عدم اليقين في العقارات التجارية، تقدمت المدينة خطوة إلى الأمام».

وقال متحدث باسم الأمم المتحدة، فرحان عزيز حق، في رسالة بالبريد الإلكتروني إن المنظمة «تفي بكل التزاماتها القانونية وستواصل ذلك».

وفي فبراير، قال ترامب لموقع «بوليتيكو» إنه لم يكن على علم بأن الولايات المتحدة متأخرة عن التزاماتها تجاه الأمم المتحدة، لكنه كان واثقاً من أنه يستطيع «حل المشكلة بسهولة شديدة» وجعل الدول الأخرى تدفع، إذا طلبت الأمم المتحدة ذلك فقط. كما يبدو، كانت خطة الحل جاهزة تقريباً بمجرد أن يقرر أحدهم طلبها.

إدارة مامداني تراقب عن قرب

في نيويورك، بدأ فريق مامداني يتابع الملف عن كثب. وبعد تقرير أفاد بأن فريق الأمين العام أنطونيو غوتيريش كان يهدد بإغلاق مقره في نيويورك، قال كول إن مكتب إدارة الميزانية في البلدية اتصل بالمؤسسة للاستفسار.

كما التقى مامداني بغوتيريش شخصياً يوم الثلاثاء.

وفي موجز الاجتماع الذي قدمته الأمم المتحدة، شكر غوتيريش العمدة على «العلاقة الاستثنائية والدعم الذي تلقته المنظمة من المدينة المضيفة»، لكنه لم يذكر الدولة المضيفة. التفاصيل الصغيرة، كما هو معتاد، هي التي تفضح التوتر الأكبر.

لماذا تبدو الأمم المتحدة مختلفة في نيويورك

رغم أن الأمم المتحدة تصبح في واشنطن هدفاً سياسياً سهلاً، فإن رؤساء البلديات في نيويورك غالباً ما ينظرون إليها من زاوية مختلفة: مؤسسة مرموقة، وصاحب عمل كبير، ومصدر نفوذ اقتصادي لا بأس به.

وقبل نحو عقد، قدّر تقرير صادر عن المدينة أن وجود الأمم المتحدة يولد 3.7 مليار دولار من النشاط الاقتصادي سنوياً، ويوفر 25 ألف وظيفة.

تغييرات في الفريق المحلي

في فبراير، استبدل مامداني مفوضة شؤون العلاقات الدولية في المدينة، عائشة م. ب. كامارا، بـ آنا ماريا أرشيلا، التي ساعدت في قيادة حزب العائلات العاملة ومنظمة الدفاع عن حقوق المهاجرين «مايك ذا رود نيويورك».

ورافقت أرشيلا العمدة في لقائه مع غوتيريش يوم الثلاثاء. وقالت إن مامداني أمضى الاجتماع كله وهو يعرض المساعدة على الأمم المتحدة، ووصفت الرجلين بأنهما يتشاركان الكثير من المواقف.

وأضافت: «هناك بالطبع هذا التباين مع الحكومة الفيدرالية. بعض المشكلات، أي جذورها، ليست تحت سيطرتنا. وعندما لا تفي الدول القوية بمساهماتها، فإن ذلك يخلق أزمة مالية حتمية».

هل يمكن أن تغادر الأمم المتحدة نيويورك؟

في الوقت الراهن، يبدو خروج الأمم المتحدة من نيويورك بالكامل أمراً غير مرجح.

وقال جو بوريلّي، عضو المجلس البلدي السابق والجمهوري وعضو مجلس إدارة مؤسسة التنمية، على سبيل المزاح إن الأمر يتطلب 190 دولة لتبديل مصباح في الأمم المتحدة.

وأضاف في مقابلة: «الفكرة بأنها ستنتقل إلى بلد آخر العام المقبل بعيدة عن الواقع بقدر ما هو السلام العالمي».

كما عيّن مامداني عضو الجمعية التشريعية في الولاية إيميريتا توريس، وهي ديمقراطية من برونكس ودبلوماسية سابقة، لرئاسة مؤسسة التنمية.

وجاءت توريس خلفاً لـ جورج كلاين، وهو مطور عقاري بقي في مجلس إدارة المؤسسة 54 عاماً. وكان كلاين قد عُيّن أول مرة من قبل الحاكم نيلسون روكفلر، ثم أعاد تعيينه العمدة رودي جولياني وجميع العمد اللاحقين، إلى أن تنحى في ديسمبر.

وفي أول اجتماع كامل للمجلس منذ رحيله، كرم الأعضاء كلاين، الذي حضر إلى قاعة المؤتمرات في الجانب الشرقي ليقدم كلمة وداعية. وقال كلاين إنه تحدث مع توريس في وقت سابق هذا الأسبوع، وإن أهم نصيحة قدمها لها كانت: «ابتعدي عن الصحافة».

وبعد أن قال ذلك، حرص أحد الموظفين على التنبيه إلى أن أحد الصحفيين موجود في الغرفة. وبعض النصائح، على ما يبدو، لا تحتمل حتى أن تُقال بصوت مرتفع.