هل يريدون سلاما حقيقيا في أوكرانيا أم لعبة جيوسياسية أكبر؟ الإجابة غالبا تكون كلا الأمرين مع نفحة من المجازفة. إدارة ترامب ترى أن التهديد الأكبر للطرف الغربي اليوم ليس موسكو بل بكين، ولذلك تحاول استغلال محادثات وقف النار لخلق تباعد بين روسيا والصين.
لماذا هذه الخطة؟
مصدر في الإدارة، طلب عدم الكشف عن هويته، قال إن محاولة تقريب روسيا من الغرب قد تغير توازن القوى مع الصين بطريقة قد تكون مفيدة جدا للولايات المتحدة. هذه النقطة لم تُكشف من قبل في التقارير العامة.
من يقود المحادثات؟
الفريق الذي يقود المحادثات يضم مبعوثا خاصا اسمه ستيف ويتكوف وصهر الرئيس جاريد كوشنر. بعد أكثر من 15 شهرا من المباحثات بلا نتائج واضحة، وما بين تهديدات بالانسحاب ومحاولات جديدة، يستمرون في البحث عن خرق دبلوماسي.
قلق أوكرانيا والشركاء
مسؤول أوكراني، أيضا طالب بعدم الكشف عن هويته، عبّر عن تحفظ واضح. وذكر أن محاولات مشابهة تمت سابقا ولم تؤدِ إلى شيء ملموس. أحال المسؤول إلى تجربة ألمانيا مع سياسة الشرق وقال إن النتائج كانت كارثية لأن روسيا الآن تخوض أعنف حرب في أوروبا.
وأضاف أن روسيا والصين تتشاركان عداء رمز الديمقراطية الأميركية، وهذا عامل لا يَستهان به عند محاولة تفكيك التحالف بينهما.
جزء من استراتيجية أوسع ضد الصين
التحرك نحو تقليص نفوذ الصين لا يقتصر على الملف الأوروبي. إدارة ترامب اتخذت خطوات في نصف الكرة الغربي أيضا: الضغوط على فنزويلا وكوبا، وتأثير الضغوط على علاقات بعض دول أمريكا اللاتينية مع مشاريع صينية مثل مبادرة الحزام والطريق.
ضربات ضد إيران غيرت أيضا ديناميكية واردات النفط الصينية. في 2025 كانت إيران تزود الصين بأكثر من 13 بالمئة من نفطها. مصدر في الإدارة قال إن الصين اشتريت نفطا من دول مثل فنزويلا وإيران وروسيا بأسعار تقل عن السوق أحيانا، وهو ما شكّل دعما فعليا للاستهلاك الصيني بقيمة تقدر بأكثر من مئة مليار دولار سنويا.
محادثات مستمرة رغم الشكوك
على الرغم من تقارير عن تبادل استخبارات بين روسيا وإيران، فإن الاتصالات بين الولايات المتحدة وروسيا لم تتوقف. التقى ويتكوف وكوشنر مستشارا مقربا من بوتين، كيريل دميتريف، والذي وصف الاجتماع بأنه منتج. كما أعلن ويتكوف أنهم سيستمرون في الحديث.
العملية الآن تجري في ظل سياق أكبر، بما في ذلك طلبات ترامب من عدة دول، بينها الصين، للمساعدة في تأمين مضيق هرمز.
الخطر الصيني في الاستراتيجية الأميركية
استراتيجية الأمن القومي الأميركية التي صدرت في نوفمبر ركزت كثيرا على الصين حتى لو لم تذكرها دائماً بالاسم. كثير من المشرعين الأميركيين من الحزبين يعتبرون الصين التهديد طويل الأمد الأكبر لقدرة الولايات المتحدة على القيادة العالمية.
مقاربات تاريخية
ألكسندر غراي، الذي عمل في مجلس الأمن القومي في ولاية ترامب الأولى، شبّه الجهد بمحاولة هنري كسينجر في حقبة السبعينيات لجذب الصين بعيدا عن الاتحاد السوفيتي. الفكرة ببساطة: إذا أمكن تقسيم موسكو وبكين أو على الأقل التعاون التكتيكي مع الطرف الأقل تهديدا، فذلك يخدم المصالح الأميركية.
من يرى ذلك كأولوية ومن يرفض
فريد فليتز، مسؤول سابق في مجلس الأمن القومي، قال إن ترامب يريد إنهاء الحرب في أوكرانيا وإعادة تطبيع العلاقات مع روسيا وربما عودتها لمجموعة الدول الكبرى. ويعتقد فليتز أن ارتباط روسيا المتزايد مع الصين يشكل تهديدا أكبر من الحرب في أوكرانيا.
لكن هناك تشكك واسع. كريغ سينغلتون من مؤسسة دفاع الديمقراطيات يقول إن فكرية فك الارتباط بين موسكو وبكين جذابة نظريا لكنها صعبة التنفيذ. ويشير إلى أن العلاقة بين روسيا والصين قوية جدا عملياً، والتوقع الواقعي هو تعاون تكتيكي محدود مع الولايات المتحدة وليس انفصال دائم عن بكين.
مواقف رسمية من الأطراف المعنية
- وزارة الخارجية الصينية أكدت على علاقات قوية مع روسيا ووصفتها بأنها ثابتة في عالم مضطرب.
- وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو أعرب عن قلقه من أن تصبح روسيا شريكا أدنى للصين وهذا ليس نتيجة جيدة لأي طرف.
- آدم سافيت من معهد سياسة أمريكا الأولى يقول إن روسيا مهمة على الهوامش لكنها ليست المتغير الحاسم في تنافس الولايات المتحدة مع الصين، فمركز الثقل يبقى في شرق آسيا.
الخلاصة
الخطة الأميركية واضحة من الناحية النظرية: استخدام مفاوضات وقف النار في أوكرانيا كوسيلة لتغيير تحالفات استراتيجية أكبر. لكن التطبيق يصطدم بعقبات واقعية: علاقة روسيا-الصين متينة، ومحاولات سابقة لم تثمر، وشكوك أوكرانيا وحلفائها. النتيجة المرجحة، بحسب كثير من المحللين، هي تعاون محدود مع روسيا على مسائل تكتيكية وليس انفصال دائم عن بكين.
في عالم السياسة الخارجية، الرهان على تفكيك تحالفات قد يتحول إلى لعبة طويلة وغالية، وبوقتها سنعرف إن كانت كانت هذه المجازفة تستحق العناء أم لا.