من بودابست إلى بروكسل ثم واشنطن

في الأيام التي سبقت الانتخابات في المجر، تحولت بودابست إلى ساحة اختبار جديدة لعلاقة فيكتور أوربان مع اليمين الشعبوي في الولايات المتحدة وأوروبا. جي دي فانس هاجم «بيروقراطيي» بروكسل واتهمهم بالتدخل في الشأن المجري قبل التصويت، بينما رد خصم أوربان في الانتخابات باتهام البيت الأبيض نفسه بالتدخل. هكذا، وبكل هدوء غير متوقع، أصبح الاقتراع المحلي قصة دولية عن النفوذ والولاءات أكثر من كونه سباقا عاديا على السلطة.

ما تكشفه هذه السجالات هو أن أوربان لا يخوض معركة انتخابية فقط، بل يدافع عن نظام سياسي بناه بعناية كي يصعب على أي خلف له أن يحكم بسهولة. فقد وضع أنصاره في مواقع مهمة داخل مؤسسات عامة رئيسية، بحيث يمتلك هؤلاء القدرة على تعطيل الميزانيات والقوانين التي قد يحاول رئيس وزراء جديد تمريرها. بمعنى آخر، حتى لو تغير اسم رئيس الحكومة، فإن مفاتيح كثيرة ستبقى في أيدي من اختارهم أوربان مسبقا. فكرة أن السلطة يجب أن تُسلَّم ثم تعمل بسلاسة تبدو هنا أقرب إلى تفصيل نظري منها إلى واقع عملي.

انتخابات غير متكافئة في الأساس

يرى خصوم أوربان أن المشكلة لا تبدأ يوم التصويت، بل قبله بكثير. فهم يقولون إن سيطرته شبه الكاملة على الدولة ووسائل الإعلام تمنحه قدرة على توجيه المزاج الانتخابي لمصلحته. هذا يخلق سباقا لا يبدو متساويا، لأن من يدير الدولة يملك أيضا قدرة واسعة على تشكيل الرسالة السياسية وتحديد من يُسمع ومن يُهمش.

كيف ترسخت هذه القوة

  • ترسيخ الولاء داخل مؤسسات عامة حساسة
  • استخدام نفوذ الدولة في مواجهة أي حكومة لاحقة
  • السيطرة الواسعة على المشهد الإعلامي
  • تحويل الانتخابات إلى اختبار صعب على الخصوم حتى قبل بدء الحملة فعليا

من معارض ليبرالي إلى حليف مفضل لدى اليمين الأمريكي

الصورة الأوسع لفيكتور أوربان لا تقل لفتا للنظر. فالرجل الذي بدأ حياته السياسية كمعارض ليبرالي أصبح اليوم اسما محببا لدى أنصار ترامب، وفي الوقت نفسه أعاد بودابست إلى مدار موسكو. هذا التحول يختصر مسار سنوات طويلة من إعادة التموضع السياسي، لكنه يفسر أيضا لماذا صار أوربان نقطة التقاء بين تيارات تبدو متباعدة ظاهريا، لكنها تشترك في الشك بالمؤسسات الليبرالية والرهان على السلطة المركزة.

وفي هذا السياق، يصبح التقارب مع فلاديمير بوتين جزءا من قصة أوسع. فالمجر، تحت قيادة أوربان، لم تعد مجرد دولة عضو في الاتحاد الأوروبي، بل طرفا يحاول لعب دور خاص بين بروكسل وواشنطن وموسكو. والنتيجة أن كل انتخابات جديدة لا تبدو مجرد تنافس داخلي، بل جولة إضافية في صراع أكبر على اتجاه البلاد ومكانتها.

خلاصة الصورة

  • جي دي فانس انتقد بروكسل قبل الانتخابات في المجر
  • خصم أوربان اتهم البيت الأبيض بالتدخل
  • أوربان حصّن نفسه داخل مؤسسات الدولة لتصعيب أي انتقال للسلطة
  • المعارضون يرون أن سيطرته على الدولة والإعلام تجعل الانتخابات غير عادلة
  • التحول الأبرز في مساره هو اقترابه من أنصار ترامب وعودة بودابست إلى فلك موسكو

وفي النهاية، لا يبدو أن المعركة في المجر تدور فقط حول من سيفوز بالتصويت، بل حول من يملك القدرة على البقاء بعده. وهذه، كما اتضح مرة أخرى، هي النقطة التي تبدأ عندها السياسة الحقيقية وتنتهي عندها الشعارات.