شوارع كوبا مشتعلة هذه الأيام. طبول قدور الطهي المدقوقة في هافانا ومدن أخرى تملأ الهواء، نفايات محترقة هنا وهناك، ومجموعات من المتظاهرين تصل إلى حد مهاجمة مقار الحزب الشيوعي في مدن مثل مورون وحرق صور وشعارات الثورة. الحكومة استدعت أنصارها وأرسلت وحدات شبه عسكرية معروفة باسم "البرقع الأحمر"، والشرطة الفيدرالية فرضت قمعا عنيفا في عدة مناطق.
لماذا يصر البعض على تشبيه كوبا بفنزويلا؟
في واشنطن، خصوصا على لسان الرئيس ترامب، ظهر خطاب يربط بين ما يحدث في كوبا وما جرى في فنزويلا سابقا. الفكرة بسيطة ومغرية: دولة تواجه أزمات اقتصادية تتعرض لانهيار سياسي ويمكن للولايات المتحدة أن تدخل وتعيد ترتيب الأمور. لكن الواقع في هافانا يختلف عن كاراكاس في نقاط أساسية.
الاختلافات الجوهرية بين كوبا وفنزويلا
- مدة الحكم: الثورة الكوبية في السلطة منذ 1959، أي أن جزءا كبيرا من السكان لا يعرفون واقعا آخر. التجربة الفنزويلية بدأت عام 1998، والكثير من الفنزويليين يتذكرون فترات رخاء سابقة.
- العلاقة مع الولايات المتحدة قبل الثورة: قبل 1959 كانت المصالح الأمريكية تسيطر على أجزاء كبيرة من الاقتصاد الكوبي بشكل مباشر، أكثر مما كانت عليه في فنزويلا.
- النظام السياسي: كوبا نظام الحزب الواحد وتعمل مؤسساتها بطريقة تضمن تصويت الكتلة الموحدة داخل المجلس الوطني. المقاربات القمعية مثل نصوص قانونية تسمح باعتقال الناس بتهمة "الخطورة" موجودة وتُستخدم لمنع المعارضة.
- المعارضة في فنزويلا: رغم القيود، يشارك معارضو فنزويلا في الحياة السياسية أكثر بكثير مقارنة بكوبا. المعارضة الفنزويلية تظهر في البرلمان والإعلام والانتخابات، حتى لو كانت الظروف صعبة.
مشاكل داخلية أعمق من أي ضغط خارجي
لا يمكن إنكار أن ضغوط الولايات المتحدة لها تأثير، لكن المشاكل الأساسية في كوبا داخلية: انهيار الشبكة الكهربائية، اعتماد كبير على دعم من دول مثل الاتحاد السوفيتي سابقا وفنزويلا لاحقا، وسوء إدارة استثماري أدى إلى أولويات خاطئة. بدلا من تحديث محطات الطاقة أو البنية التحتية، رصدت الدولة استثمارات كبيرة للسياحة وبناء فنادق، وهو قرار تبعه تضرر حقيقي عندما لم يأتِ السياح بكثرة كما كان متوقعا، خصوصا أثناء الجائحة.
أمثلة على القمع والاختناق السياسي
- حملة "الربيع الأسود" عام 2003 التي شهدت اعتقالات واسعة وصعوبات كبيرة للمثقفين والفنانين.
- وجود نصوص قانونية تسمح للاحتجاز على أساس ما يُسمى "الخطورة" قبل ارتكاب أي جريمة واضحة.
- العقوبات على الإعلام والمجتمع المدني التي تجعل من الصعب وجود معارضة منظمة لديها خبرة إدارية أو قاعدة شعبية قابلة للتجسيد في قيادة بديلة.
ماذا تفاوضه الولايات المتحدة مع كوبا؟
الإشارات الرسمية الأمريكية تتحدث عن فتح الباب أمام استثمارات من أبناء المهجر ودفع إصلاحات اقتصادية. لكن ما هي الموارد الحقيقية للبلاد؟ كوبا ليست دولة نفطية كبيرة مثل فنزويلا. لديها النيكل وبعض الغاز الطبيعي، لكن تلك القطاعات تحتاج إلى استثمارات ضخمة وتحديث طويل الأمد.
المحادثات المبكرة أو التقارير عن تفاهمات لا توضح بعد ما هو المقترح بالضبط من الجانب الكوبي من تنازلات. بعض التصريحات تشير إلى بقاء عناصر من النظام الحالي، وربما استبدال رئيس الوزراء أو إجراء تغييرات محدودة مع الحفاظ على نفوذ العائلة الحاكمة. هذا السيناريو يعقّد أي تشبيه مباشر مع عملية سقوط نظام مركزي كما حصل في حالات أخرى.
نقص القيادة لدى المعارضة
أحد المشاكل الواقعية أن غالبية الناشطين غير مسيّسين إداريا وليست لديهم خبرة تشغيل مؤسسات كبيرة. من تبقى من المعارضين داخل الجزيرة غالبا ما يتعرض للاعتقال أو الضغط. أما من في المنافى خارج الجزيرة فالمواقف موزعة بين أمل بالعودة وبين رغبة في تأثير خارجي كبير أحيانا.
ماذا يريد الناس فعليا؟
الاستطلاعات الحقيقية نادرة، لكن من يتحدثون مع الناس في الأحياء يقولون إن القلق اليومي عن الحصول على طعام وكهرباء هو أولوية لدى كثيرين. بعض الناس يرحبون بفكرة دخول استثمارات أجنبية لتحسين الخدمات والاقتصاد حتى لو جاءت عبر علاقات جديدة مع الولايات المتحدة. آخرون يرفضون أي حل يفرض عليه قوى خارجية قرار قيادة البلاد.
الخلاصة
تشبيه كوبا بفنزويلا مبسّط للغاية. الأزمات الراهنة في كوبا نتيجة مزيج من عوامل تاريخية وسياسية واقتصادية داخلية وخارجية. أي تغيير حقيقي يتطلب أكثر من ضغوط خارجية أو هدف تغيير نظام سريع. وللأسف، الإجابة عن السؤال الأكبر "ماذا بعد؟" لا تزال غامضة، وما يريده معظم الناس الآن بسيط ومباشر: كهرباء مستقرة، غذاء، وحياة يومية أفضل.
ملاحظة أخيرة: التحول السياسي إذا حدث قد لا يكون سريعا أو سلميا. الآمال عالية والرهانات كبيرة، لكن الطريق لانتقال مستقر وديمقراطي طويل ومعقّد.