رحلة تعيد البشر إلى محيط القمر
تستعد ناسا لإطلاق أربعة رواد فضاء في رحلة تاريخية حول الجانب البعيد من القمر، عبر مهمة Artemis II التي تنطلق من فلوريدا مساء الأربعاء. وإذا سارت الأمور كما هو مخطط لها، فستكون هذه أول مرة يعود فيها البشر إلى المجال القمري منذ عقود، في لحظة يبدو أنها تجمع بين الحنين العلمي والهوس الأمريكي المعتاد بالبدء من جديد مع لافتة جديدة.
تكلفة Artemis II وحدها تبلغ 4 مليارات دولار، وهي جزء من برنامج العودة إلى القمر الذي تصل كلفته الإجمالية إلى 93 مليار دولار. وهذا رقم كافٍ ليجعل أي دافع ضرائب يرفع حاجبيه، وهو ما يفسر السؤال البديهي: إذا كان البشر قد وصلوا إلى القمر من قبل، فلماذا العودة الآن؟
لماذا تعود ناسا إلى هناك؟
الجواب الرسمي، كما تشرحه ناسا، هو أن المهمة ليست مجرد تكرار لما فعلته أبولو قبل أكثر من نصف قرن، بل بناء شيء أطول عمرًا.
المدير الجديد لناسا، جاريد إسحاقمان، قال في مقابلة عبر بودكاست The Conversation إن برنامج Artemis “يواصل حيث توقفت أبولو”، لكن ليس بهدف رفع العلم والتقاط الصخور مرة أخرى، بل من أجل إنشاء وجود دائم على القمر، وبناء قاعدة قمرية تتيح تحقيق القيمة العلمية والاقتصادية للوجود على سطحه.
مهمة Artemis II هي المرحلة الثانية من البرنامج الطموح الذي أطلق في عهد الإدارة الأولى لدونالد ترامب. والهدف النهائي هو إعادة البشر إلى سطح القمر بحلول 2028، ثم استخدام ما يجري هناك لتمهيد الطريق نحو المريخ. نعم، نحن لا ندفع فقط للعودة إلى القمر، بل أيضًا لشراء تذكرة إلى الكوكب الأحمر.
إذا نجحت الرحلة التي تستغرق 10 أيام، فستتجه ناسا في 2027 إلى مهمة مأهولة أخرى تختبر قدرات المركبات التجارية التي ستستخدم لاحقًا في الهبوط على القمر، بما في ذلك المركبات التي تطورها SpaceX وBlue Origin.
قاعدة على القمر ثم ماذا بعد ذلك؟
الهدف الأوسع هو إنشاء قاعدة قمرية بحلول 2030s، تعمل بالطاقة النووية، وتبقي الولايات المتحدة في موقع القيادة بمجال الرحلات الفضائية والاستكشاف لسنوات قادمة. وتكلف هذه القاعدة وحدها نحو 20 مليار دولار.
هذا المشروع قد يبدو وكأنه مادة مناسبة لفيلم ضخم من بطولة ريان غوسلينغ، لكنه في نظر ناسا يتجاوز الاستعراض. فوجود قاعدة على القمر قد يمنح الوكالة والحكومة الأمريكية القدرة على اختبار التكنولوجيا وبناء الخبرة اللازمة لتأمين بقاء البشر في مكان آخر غير الأرض، ثم الانتقال لاحقًا إلى المريخ.
الرواد في القاعدة القمرية سيجرون اختبارات وأبحاثًا تساعد في وضع الأساس لحياة بشرية أطول أمدًا خارج الأرض، بحسب ناسا.
وقالت رائدة الفضاء المتقاعدة وأستاذة هندسة الطيران والفضاء د. بوني دنبار، التي انضمت إلى ناسا عام 1978، في بيان نقلته The Independent: “Artemis ليست مجرد عودة إلى القمر، بل بوابة للعيش والعمل على عالم آخر. نحن نطوّر العلم، ونختبر التكنولوجيا، ونرسم الطريق إلى المريخ.”
لماذا القمر مفيد أصلًا؟
السبب العلمي بسيط نسبيًا: الإقلاع من القمر أسهل من الإقلاع من الأرض، لأن جاذبيته أضعف.
الخبيرة في علم الكواكب البروفيسورة سارا راسل من متحف التاريخ الطبيعي شرحت أن الأمر يتعلق عمليًا بكفاءة أكبر في إطلاق الصواريخ. أي أن القمر، على الأقل من وجهة نظر هندسية، يمثل محطة مفيدة بدلًا من أن يكون مجرد لقطات جميلة يلتقطها البشر مرة كل بضعة عقود.
لكن المسألة ليست علمية فقط. فهذه الخطوات تساعد أيضًا في دفع قطاع الفضاء التجاري الناشئ، لأن الشراكات مع الشركات الخاصة يمكن أن تسرّع التقدم وتخفض كلفة الإنفاق الحكومي.
وقالت ناسا في وقت سابق هذا الشهر إنها ستعتمد على مزيد من المعدات المنتجة تجاريًا لتنفيذ مهمات وهبوط قمري أكثر تكرارًا، مع استهداف هبوطات كل ستة أشهر في البداية، مع إمكانية زيادة الوتيرة مع نضوج القدرات.
كما أوضح إسحاقمان أن الخطوات المقبلة تهدف أيضًا إلى دعم القيادة الأمريكية دوليًا في الفضاء.
سباق جديد، لكنه قديم في جوهره
الرهانات عالية جدًا. من يصل إلى القمر أولًا يمتلك القدرة على التأثير في الاقتصاد القمري وما يحدث هناك، والولايات المتحدة لا تواجه الفراغ بل منافسة واضحة.
إدارة الفضاء الوطنية الصينية تخطط لإرسال روادها إلى القمر بحلول 2030، وقد حققت تقدمًا ملحوظًا خلال العام الماضي في تطوير صاروخها ومركبتها الهابطة.
وقال سكوت بيس، مدير معهد سياسة الفضاء في جامعة جورج واشنطن، في وقت سابق لبودكاست The Conversation Weekly: “القواعد يضعها من يحضر”. وهي عبارة أنيقة لوصف سباق دولي لا يملك رفاهية الانتظار.
إسحاقمان قال إنه يدرك أن الوقت يضيق في “هذه المنافسة بين القوى الكبرى”، وأن النتيجة قد تُقاس “بالأشهر، لا بالسنوات”.
وأضاف في بيان: “إذا ركزنا الموارد الاستثنائية لناسا على أهداف سياسة الفضاء الوطنية، وأزلنا العراقيل غير الضرورية التي تعيق التقدم، وأطلقنا العنان لقدرات القوة العاملة والصناعة في بلدنا وشركائنا، فإن العودة إلى القمر وبناء قاعدة عليه سيبدوان صغيرين مقارنة بما سنكون قادرين على إنجازه في السنوات المقبلة.”
ولهذا أعلنت ناسا أيضًا أنها ستؤجل بناء محطة الفضاء القمرية المعروفة باسم Gateway، لتوجيه الجهد نحو “البنية التحتية التي تتيح عمليات سطحية مستدامة”.
ليس كل شيء في هذا المشروع مبهرًا
رغم الحماسة السياسية والعلمية، هناك آثار سلبية لا يمكن تجاهلها. بعض الخبراء يحذرون من الضرر البيئي الذي قد يسببه البشر للبيئة القمرية. والكارثة هنا ليست نظرية تمامًا، فالبشر بالفعل لوّثوا مدار الأرض المنخفض، حيث توجد محطة الفضاء الدولية، إلى جانب آلاف الأقمار الصناعية وكميات كبيرة من الحطام الفضائي والصخور، ما يثير مخاوف من الاصطدام في المستقبل.
كذلك، فإن مليارات Artemis قد تُستخدم في معالجة أزمات أكثر إلحاحًا على الأرض، وعلى رأسها تغير المناخ. هذا التغير يُتوقع أن يكلف العالم تريليونات الدولارات، كما أشارت دراسة حديثة لباحثين من جامعة ستانفورد إلى أن انبعاثات غازات الدفيئة في الولايات المتحدة منذ عام 1990 تسببت في أضرار اقتصادية عالمية تتجاوز 10 تريليونات دولار.
ولا يساعد أن عمليات إطلاق الصواريخ نفسها تضيف مزيدًا من التلوث إلى الغلاف الجوي للأرض، بما في ذلك الانبعاثات الكربونية التي تغذي الاحترار العالمي.
لكن الإدارة الأمريكية الحالية والرئيس ترامب وصفا تغير المناخ بأنه “خدعة” و“احتيال”، وجرى مؤخرًا التراجع عن استنتاج وكالة حماية البيئة الأمريكية الذي كان يقر بأن انبعاثات الغازات الدفيئة من صناعة الوقود الأحفوري تضر بصحة الإنسان. وقد ردت ولايات عدة على ذلك عبر المحاكم، لأن الجدل في واشنطن لا يكتمل عادة من دون ملف قضائي مفتوح.
حتى إيلون ماسك، مؤسس SpaceX، يرى أن الحل هو تحويل البشر إلى نوع متعدد الكواكب، رغم أنه تراجع لاحقًا عن فكرة الاعتماد على المريخ وحده.
ما الذي سيجنيه العلم من كل هذا؟
سواء نجحت الرؤية الكبرى أم لا، فإن Artemis II تظل خطوة مهمة لفهم الفضاء بشكل أعمق.
تقول ناسا إن القمر يحتوي على 4.5 مليارات سنة من التاريخ، ويمكنه أن يكشف للعلماء الكثير عن تطور الأرض والنظام الشمسي والأشعة الكونية القادمة من أنحاء المجرة.
ويبدو أن القطب الجنوبي للقمر سيكون منطقة ذات قيمة خاصة، وهو الموقع الذي تأمل ناسا في بناء قاعدة فيه لاحقًا. فبحسب الوكالة، يحتوي هذا الجزء على بعض أقدم مناطق القمر، ويُقدَّر عمرها بأكثر من 3.85 مليون سنة، كما يضم أطراف حوض القطب الجنوبي - أيتكن، وهو أكبر وأقدم حوض اصطدام في النظام الشمسي.
بكلمات أبسط: ناسا لا تعود إلى القمر لأن القمر وحيد. بل لأن هناك أشياء كثيرة جدًا ما زلنا لا نعرفها عنه، ولأن السباق القادم في الفضاء لن ينتظر من يفضّل الجلوس على المدرج.