تخيّل أن مدينتك تعتمد على ماكينة واحدة لتحويل ماء البحر إلى ماء تشربه. الآن تخيل أن هذه الماكينة مُستهدفة. هذه ليست قصة خيالية بل واقع جيوسياسي في الخليج.

ما الذي حصل مؤخرًا؟

في نهاية أسبوع متوتر، ظهرت أنباء عن استهداف محطة تحلية على جزيرة قشم في مضيق هرمز. الاتهامات طالت جهات متبادلة: إيران اتهمت الولايات المتحدة بالمسؤولية، وفي اليوم التالي أعلنت مملكة على الطرف الآخر من الخليج أن محطة تحلية لها تعرّضت لضرر واتُهِمَت إيران بالوقوف خلف الهجوم. كل طرف ينفي أو يتهم، والجمهور يترقب.

لماذا كل هذا الهوس بمصانع التحلية؟

المناطق الحارة والجافة لا تُنبت أنهارًا كثيرة. دول الخليج عاشت تقليديًا على مخزون المياه الجوفية القليل، لكن مع نمو المدن وصناعة النفط منذ خمسينيات القرن الماضي أصبح الاعتماد على تحلية مياه البحر ضرورة لا رفاهية.

  • النسب تقريبًا: 70% من مياه الشرب في السعودية تأتي من التحلية، 86% في عُمان، 42% في الإمارات، و90% في الكويت.
  • حتى إسرائيل تعتمد على محطات ساحلية لتحلية نحو نصف مياهها الصالحة للشرب.
  • المنطقة تنتج نحو 28.96 مليون متر مكعب ماء يوميًا وهو ما يعادل حوالي 40% من إنتاج العالم من المياه المحلاة.

بعبارة أخرى، في كثير من دول الخليج، المدن الحديثة ببساطة لن تعمل بشكل طبيعي بدون هذه المصانع.

لماذا تشكل هذه المصانع هدفًا فعّالًا في صراع مسلح؟

أولًا، عدد قليل من المحطات الكبيرة يخدم مدنًا واسعة، لذا هجوم ناجح واحد قد يقطَع إمداد ملايين الناس بالمياه خلال أيام قليلة. ثانيًا، استبدال أو إصلاح هذه المصانع ليس بالأمر السهل أو السريع مثل إصلاح أنبوب نفط.

خبير في الهيدرواينفورماتيك بجامعة هامبورغ شرح أن استهداف التحلية قد يخلق نقصًا حادًا بالمياه ويجبر الحكومات على فرض تقنين قاسٍ.

العواقب البيئية والإنسانية

الهجمات لا تؤذي الناس فقط بالحرمان من الماء، بل قد تُطلق مواد كيميائية من محطات المعالجة مثل مبيضات أو أحماض تُضر بالبيئة البحرية والسواحل. النتيجة؟ كابوس صحي وبيئي بالإضافة إلى أزمة إنسانية.

لماذا توقفت الهجمات فورًا؟

بعد موجة الهجمات المزعومة الأولى، تراجعت الأعمال ضد محطات التحلية. تفسير واحد منطقي هو ما يسميه الخبراء ضبط النفس الاستراتيجي. ضرب بنية تحتية مدنية حيوية بهذه الأهمية قد يثير إدانات دولية ويزيد من نطاق الصراع بشكل يصعب السيطرة عليه.

إيران أيضًا تشهد ضغوطًا مائية

لا تنسَ أن إيران نفسها تعاني من ضغوط مائية شديدة بسبب الجفاف والاستخراج المفرط للمياه الجوفية. أي ضربة على بنيتها المائية قد تُفاقم الأوضاع الداخلية لديها، لذا الاستهداف المتبادل قد يكون ضارًا للجميع.

خريطة الوعود والتهديدات

منذ عقود كانت هناك وعود بعدم استهداف محطات التحلية بين بعض الأطراف. لكن في أيام التوتر الحديث سمعنا تصريحات تحذيرية وتهديدات متبادلة، بما في ذلك عبارات من نوع «العين بالعين» من بعض المسؤولين. النتيجة: منطقة تبقى على حافة احتمالات التصعيد، لكن في الوقت نفسه تظهر عناصر ضبط نفس لأن ثمن الحرب على الماء باهظ للغاية.

الخلاصة: محطات التحلية ليست مجرد منشآت فنية، بل شريان حياة لمدن كاملة في الخليج. استهدافها قد يخلق أزمات سريعة وعواقب بيئية وإنسانية كبيرة، ولذلك تبدو إلى الآن معادلة تحفّظ عملي بين الأطراف، رغم التوترات والتهديدات الكلامية.

نصيحة خفيفة قبل النوم: الماء الذي تشربه قد يكون مجهودًا هندسيًا بحجم دولة. اعتبره نعمة وتذكّر أن صيانة الأمن المائي أحيانًا أغلى بكثير من مجرد إصلاح ماكينة.